العيني
25
عمدة القاري
وقال ابن التين : إنما استصعب البراق تيهاً وزهواً بركوب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأراد جبريل استنطاقه ، فلذلك خجل وارفضَّ عرقاً من ذلك ، وقريب من ذلك رجفة الجبل به حتى قال له : أثبت ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد ، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب ، وسمع العبد الضعيف من مشايخه الثقاة أنه إنما شمس به ليعده الرسول صلى الله عليه وسلم ، بالركوب عليه يوم القيامة ، فلما وعده بذلك قرو ذلك ، لأنه جاء في التفسير في قوله تعالى : * ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) * ( الضحى : 6 ) . أن الله أعد له في الجنة أربعين ألف براق ترتع في مروج الجنة . قوله : ( فحملت عليه ) على صيغة المجهول ، أي : على البراق ، وذكر في ( شرف المصطفى ) : كان الذي أمسك بركابه جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، وبزمام البراق ميكائيل ، عليه الصلاة والسلام ، فإن قلت : لما ركب النبي صلى الله عليه وسلم ، البراق ما فعل جبريل ، عليه السلام ؟ قلت : وقع في حديث حذيفة عند أحمد ، قال : أتى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالبراق فلم يزال ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس ، قيل : هذا لم يسنده حذيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد ، ويحتمل أن يكون جبريل رافقه في السير لا في الركوب ، وقال ابن دحية وغيره : معناه : وجبريل قائد أو سائق أو دليل ، قال : وإنما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلا مدخل لغيره فيها ، ورد عليه ما قاله بما روى ابن حبان في ( صحيحه ) من حديث ابن مسعود أن جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، حمله على البراق رديفا له وفي رواية الحارث في مسنده اتى بالبراق فركبه خلف جبريل عليه السلام فسار بهما ، فهذا صريح في ركوبه معه ، والله أعلم . قوله : ( فانطلق بي جبريل ) وفي روايته المتقدمة : ( فانطلقت مع جبريل ، عليه السلام ) ولا مغايرة بينهما ، وفي حديث أبي ذر في أول الصلاة : ( ثم أخذ بيدي فعرج بي ) وظاهر هذا يدل على أن جبريل كان دليلاً له فيما قصد له . قلت : كونه دليلاً لا ينافي ركوبه معه . قوله : ( حتى أتى السماء الدنيا ) ، ظاهره يدل على أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وتمسك به من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس ، وكان في ليلة المعراج على معراج وهو سلم ويدل عليه ما رواه ابن إسحاق والبيهقي في ( الدلائل ) من حديث طويل ، وفيه : فإذا أنا بدابة كالبغل مضطرب الأذنين يقال له : البراق ، وكانت الأنبياء تركبه قبلي ، فركبته ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصليت ثم أتيت بالمعراج ، وفي رواية ابن إسحاق : فأصعدن صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء . . . الحديث ، وفي رواية كعب : فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل ، وفي ( شرف المصطفى ) في حديث أبي سعيد : أنه أتي بالمعراج من جنة الفردوس ، وأنه منضد باللؤلؤ وعن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة ، وفي رواية ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء ، عليهم السلام ، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت . . . فذكر القصة . قال : ثم عرج بي إلى السماء . فإن قلت : أنكر حذيفة رواية ثابت : فربطته بالحلقة ، فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة ، قال : تحدثون أنه ربطه ، أخافَ أن يفر منه وقد سخر له عالم الغيب والشهادة ؟ قلت : قال البيهقي : المثبت مقدم على النافي لأن المثبت له زيادة علم على من نفي فهو أولى بالقبول ، وروى البزار من حديث بريدة : لما كان ليلة أسري به جاء جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع إصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق . فإن قلت : هل للباب الذي دخل منه جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم ، من أبواب سماء الدنيا اسم ؟ قلت : نعم ، وروى البيهقي : حتى أتى إلى باب من أبواب السماء يقال له : باب الحفظة وعليه ملك يقال له : إسماعيل ، تحت يده إثنا عشر ألف ملك . قوله : ( فاستفتح ) ، أي : طلب فتح الباب . قوله : ( فقيل : من هذا ؟ ) أي : قال قائل من داخل الباب : من هذا الذي يستفتح الباب ؟ قوله : ( قيل : جبريل ) أي : قال قائل من خارج الباب ممن كان مع جبريل والنبي عليهما السلام : هو جبريل ، عليه السلام . قوله : ( من معك ) يدل على أنهم أحسوا معه برفيق وإلاَّ لكان السؤال بلفظ أمعك أحد ؟ فإن قلت : من أين لهم هذا الإحساس ؟ قلت : قال بعضهم : يحتمل أن يكون بمشاهدة لكون السماء شفافة ، وفيه نظر ، لأن الأمر لو كان كذلك لما قالوا : من هذا ، حين استفتح جبريل ، عليه السلام ، والأوجه أن يقال : إن إحساسهم بذلك كان بزيادة أنوار ظهرت لهم دلت على أن جبريل لم يكن وحده . قوله : ( قال محمد ) أي : قال جبريل : معي محمد ، وفيه دليل على أن الاسم أولى وأوضح في التوضيح من